الشيخ السبحاني
110
الوسيط في أصول الفقه
عن الحكم الواقعي في حقّ الجاهل كما هو المفروض تصويب وإنكار للحكم المشترك بين عامة الناس . قلت : التصويب عبارة عن اختصاص الأحكام الواقعية بالعالم وعدم شمولها للجاهل من رأس ، وهذا بخلاف المقام ، فانّ الأحكام الواقعية على هذا القول تشمل جميع الناس من دون تفاوت بين العالم والجاهل ، ولكنّه سبحانه وتعالى تسهيلًا للأمر على العباد اكتفى في امتثال أوامره بإخبار الثقات ، لمطابقتها للواقع بنسبة عالية ، فأوجبت المصلحةُ التسهيلية عدمَ فعلية هذه الأحكام في موارد التخلّف . وبالجملة فرق بين عدم جعل الحكم على الجاهل وبين عدم فعليته في حقّه ، لأجل قيام الأمارة على خلاف الواقع . فإن قلت : إنّ العبد وإن كان معذوراً في ترك الواقع ولكن غرض المولى بعدُ لم يستوف فتجب الإعادة والقضاء لذلك . قلت : لو علم المكلّف بأنّ غرض المولى بعدُ لم يُستوف كما إذا أمر بإحضار الماء للتوضّؤ فأتى به ثمّ تلف يجب عليه تجديد الامتثال لأجل حفظ الغرض ، وأمّا المقام فليس هناك علم بعدم استيفاء الغرض وذلك لما عرفت من أنّ المصلحة التسهيليّة سبَّبت لأن يتضيّق غرض المولى بما أدّت إليه الأمارة التي تطابق الواقع بدرجة كبيرة ، فليس له إلّا هذا المقدار من الغرض . نعم لولا المصلحة التسهيلية لربما يتعلّق غرضه باستيفائه في عامة الموارد وافقت الأمارة للواقع أو خالف . وعندئذ يقوى القول بعدم الإجزاء . وبالجملة رفع الحرج عن المكلّفين وإيجاد الرغبة للناس إلى الدين من الأُمور التي صارت سبباً لتضييق غرضه وتحدّده بما توصل إليه الأمارة وغض النظر عمّا إذا لم يُستوفَ .